محمد سعيد رمضان البوطي

142

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

القسم الرابع أسس المجتمع الجديد الأساس الأول ( بناء المسجد ) لقد كانت هجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، تعني نشأة أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض ، وقد كان ذلك إيذانا بظهور الدولة الإسلامية بإشراف منشئها الأول محمد عليه الصلاة والسلام . ولذا فقد كان أول عمل قام به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، أن أقام الأسس الهامة لهذه الدولة ولقد كانت هذه الأسس ممثلة في هذه الأعمال الثلاثة التالية : أولا : بناء المسجد . ثانيا : المؤاخاة بين المسلمين عامة والمهاجرين والأنصار خاصة . ثالثا : كتابة وثيقة ( دستور ) حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم ، وأوضحت علاقتهم مع غيرهم بصورة عامة واليهود بصورة خاصة . وسنبدأ ، فنتحدث عن بناء المسجد أولا : « قلنا فيما مضى : إن ناقته صلّى اللّه عليه وسلم بركت في موضع كان لغلامين يتيمين من الأنصار ، وكان أسعد بن زرارة قد اتخذه مصلّى قبل هجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، فكان يصلّي بأصحابه فيه . فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يبنى ذلك الموضع مسجدا ، ودعا الغلامين - وكانا في كفالة أسعد بن زرارة رضي اللّه عنه - فسام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيه ، فقالا : بل نهبه لك يا رسول اللّه ، فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير « 1 » . وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور قديمة لبعض المشركين ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالقبور فنبشت وبالنخيل والشجر فقطعت ، وصفّت في قبلة المسجد ، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى

--> ( 1 ) رواه البخاري : 4 / 258 وابن سعد في الطبقات : 2 / 4 وانظر إعلام الساجد في أحكام المساجد للزركشي : ص 223 ، وغيره من كتب السيرة . إلا أنه ليس في البخاري أن الرسول ابتاعه منهما بعشرة دنانير . قال في الفتح : ووقع عند موسى بن عقبة أنه اشتراه منهما بعشرة دنانير . وزاد الواقدي أن أبا بكر دفعها لهما عنه .